أحمد بن محمد القسطلاني
295
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
تأولت ما تأول عثمان ) بن عفان ، رضي الله عنه ، من جواز القصر والإتمام ، فأخذ بأحد الجائزين وهو الإتمام أو أنه كان يرى القصر مختصًّا بمن كان سائرًا . وأما من أقام في مكان في أثناء سفره ، فله حكم المقيم ، فيتم فيه ، والحجة فيه ما رواه أحمد بإسناد حسن ، عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال : لما قدم علينا معاوية حاجًّا ، صلّى بنا الظهر ركعتين بمكة ، ثم انصرف إلى دار الندوة ، فدخل عليه مروان وعمرو بن عثمان فقالا : لقد عبت أمر ابن عمك لأنه كان قد أتم الصلاة . قال : وكان عثمان حيث أتم الصلاة إذا قدم مكة يصلّي بها الظهر والعصر والعشاء أربعًا أربعًا ، ثم إذا خرج إلى منًى وعرفة قصر الصلاة ، فإذا فرغ من الحج وأقام بمنى أتم الصلاة ، وهذا القول رجحه في الفتح لتصريح الراوي بالسبب ، وقيل غير ذلك مما يطول ذكره . ورواة حديث الباب ما بين بخاري ومكّي ومدني ، وفيه : تابعي عن تابعي عن صحابية ، وفيه التحديث والعنعنة والقول ، وأخرجه مسلم والنسائي في الصلاة ، وتقدم شيء من مباحثه فيها . 6 - باب يُصَلِّي الْمَغْرِبَ ثَلاَثًا فِي السَّفَرِ هذا ( باب ) بالتنوين ( يصلّي ) المسافر ( المغرب ) ولأبي ذر : يصلّى المغرب ( ثلاثًا في السفر ) كالحضر لأنها وتر النهار . ويجوز في تصلّى فتح اللام مع المثناة الفوقية ، والغرب بالرفع نائبًا عن الفاعل . فإن قلت : ما وجه تسمية صلاة المغرب بوتر النهار مع كونها ليلية ؟ أجيب : بأنها لما كانت عقب آخر النهار ، وندب إلى تعجيلها عقب الغروب ، أطلق عليها وتر النهار لقربها منه . 1091 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قَالَ : " رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ يُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ " . قَ الَ سَالِمٌ : وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَفْعَلُهُ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ . [ الحديث 1091 - أطرافه في : 1092 ، 1106 ، 1109 ، 1668 ، 1673 ، 1805 ، 3000 ] . وبالسند قال : ( حدّثنا أبو اليمان ) الحكم بن نافع ( قال : أخبرنا شعيب ) هو : ابن حمزة ( عن الزهري ) محمد بن مسلم ( قال : أخبرني ) بالإفراد ( سالم عن ) أبيه ( عبد الله بن عمر ) بن الخطاب ( رضي الله عنهما قال ) : ( رأيت رسول الله ) وللأصيلي : النبي ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، إذا أعجله السير في السفر ) قيد يخرج به ما إذا أعجله السير في الحضر ، كأن كان خارج البلد في بستان مثلاً ( يؤخر المغرب ) أي : صلاة المغرب ( حتى يجمع بينها وبين العشاء ) جمع تأخير ، وهو الأفضل للسائر ، أي : فيصلّيها ثلاثًا ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى قريبًا . ( قال سالم : وكان ) أبي ( عبد الله يفعله ) أي : التأخير المذكور ، ولأبي ذر : وكان عبد الله بن عمر يفعله ( إذا أعجله السير ) . 1092 - وَزَادَ اللَّيْثُ قَالَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ سَالِمٌ : " كَانَ ابْنُ عُمَرَ - رضي الله عنهما - يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ " . قَالَ سَالِمٌ : " وَأَخَّرَ ابْنُ عُمَرَ الْمَغْرِبَ ، وَكَانَ اسْتُصْرِخَ عَلَى امْرَأَتِهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ ، فَقُلْتُ لَهُ : الصَّلاَةُ . فَقَالَ : سِرْ . فَقُلْتُ : الصَّلاَةُ . فَقَالَ : سِرْ . حَتَّى سَارَ مِيلَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ " . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : " رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ يُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ فَيُصَلِّيهَا ثَلاَثًا ثُمَّ يُسَلِّمُ ، ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَثُ حَتَّى يُقِيمَ الْعِشَاءَ فَيُصَلِّيَهَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ ، وَلاَ يُسَبِّحُ بَعْدَ الْعِشَاءِ حَتَّى يَقُومَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ " . ( وزاد الليث ) بن سعد على رواية شعيب في قصة صفية : وفعل ابن عمر خاصة . وفي التصريح بقوله : قال عبد الله : " رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقط . . . " . مما وصله الإسماعيلي ، كما في الفتح ، والذهلي في الزهريات ، كما في مقدمته . . ( قال : حدّثني ) بالإفراد ( يونس ) بن يزيد ( عن ابن شهاب ) الزهري ( قال سالم ) : ( كان ابن عمر رضي الله عنهما يجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة ) ورواه أسامة عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بلفظ : جمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة في وقت العشاء . ( قال سالم ) : ( وأخر ابن عمر المغرب ) حتى دخل وقت العشاء ( وكان استُصرخ ) بضم التاء آخره معجمة مبنيًا للمفعول من الصراخ ، وهو : الاستغاثة بصوت مرتفع ( على امرأته : صفية بنت أبي عبيد ) أخت المختار بن أبي عبيد الثقفي أي : أخبر بموتها بطريق مكة . قال سالم : ( فقلت له الصلاة ) بالنصب على الإغراء أو بالرفع على الابتداء أي : الصلاة حضرت . أو : الخبرية ، أي : هذه الصلاة ، أي : وقتها . ( فقال ) عبد الله لسالم : ( سر ) أمر من سار يسير . قال سالم : ( فقلت : الصلاة ) بالرفع والنصب ، كما مر . ولأبي ذر : فقلت له : الصلاة ( فقال ) عبد الله له ( سر ، حتى سار ميلين أو ثلاثة ) والميل أربعة آلاف خطوة ، وهو ثلث فرسخ كما مر ، والشك من الراوي ( ثم نزل ) أي : بعد غروب الشفق ( فصلّى ) أي : المغرب ، والعتمة ، جمع بينهما . رواه المؤلّف في : كتاب الجهاد . ( ثم قال ) عبد الله بن عمر : ( هكذا رأيت النبي ) ولأبي ذر ، والأصيلي : رسول الله ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، يصلّي إذا أعجله السير ) . ( وقال عبد الله ) بن عمر ( رأيت النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، إذا أعجله السير يؤخر المغرب ) من : التأخير ، وللمستملي والكشميهني : يعتم بعين مهملة ساكنة ثم فوقية مكسورة ، بدل يؤخر ، أي : يدخل في العتمة ، وللأربعة : يقيم ، بالقاف بدل العين من الإقامة ( فيصلّيها ) أي : المغرب ( ثلاثًا ) أي : ثلاث ركعات ، إذ لا يدخل القصر فيها ، وقد نقل ابن المنذر ، وغيره في ذلك الإجماع .